ابن كثير
179
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 48 إلى 53 ] وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 ) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 53 ) يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح ، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضا ، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيلة ، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه : إنهم ما علموا بشيء من أمره ، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك فقال تعالى : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ أي مدينة ثمود تِسْعَةُ رَهْطٍ أي تسعة نفر يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود ، لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم . قال العوفي عن ابن عباس : هؤلاء هم الذين عقروا الناقة « 1 » ، أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم اللّه ولعنهم ، وقد فعل ذلك . وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس : كان أسماء هؤلاء التسعة : دعمي ، ودعيم ، وهرما ، وهريم ، ودأب ، . وصواب ، ورئاب ، ومسطع ، وقدار بن سالف عاقر الناقة ، أي الذي باشر ذلك بيده ، قال اللّه تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ [ القمر : 29 ] وقال تعالى : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها [ الشمس : 12 ] . وقال عبد الرزاق : أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني ، سمعت عطاء - هو ابن أبي رباح - يقول وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قال : كانوا يقرضون الدراهم ، يعني أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددا كما كان العرب يتعاملون . وقال الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال : قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض « 2 » . وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس « 3 » . والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض ، بكل طريق يقدرون عليها ، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك . وقوله تعالى : قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي تحالفوا وتابعوا على قتل نبي اللّه صالح عليه السلام من لقيه ليلا غيلة ، فكادهم اللّه وجعل الدائرة عليهم ، قال مجاهد : تقاسموا
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 532 . ( 2 ) أخرجه مالك في البيوع حديث 37 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 48 ، وابن ماجة في التجارات باب 52 ، وأحمد في المسند 3 / 419 .